محمد سعيد رمضان البوطي

127

فقه السيرة ( البوطي )

بيعة العقبة الثانية ثم إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في مواسم العام التالي ، ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة ، خرجوا مستخفين مع حجاج قومهم المشركين . قال محمد بن إسحاق يروي عن كعب بن مالك : فواعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ، فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لها ، نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نتسلل تسلّل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة بنت كعب ، وأسماء بنت عمرو بن عدي . قال : فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب ، فتكلم القوم وقالوا : خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت . . فتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الإسلام ثم قال : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم » . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن واللّه أبناء الحروب وأهل الحلقة - أي السلاح كله - ورثناها كابرا عن كابر » . فاعترض القول - والبراء يتكلم - أبو الهيثم بن التيهان فقال : « يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ » . فتبسم رسول اللّه ثم قال : « بل الدّم الدم والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم » . وقد كان قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس » ،